أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

153

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

لأوامر اللّه المستخف بشريعة اللّه ، المتهاون بأحكام اللّه ، إلى التوحيد ، وهو من شرار العبيد ، وإنما أهل التوحيد قوم اشتغلوا باللّه عن حظوظ أنفسهم ، واستفرغوا أوقاتهم في طاعة اللّه وذكروه ، وغابوا عن رؤية أعمالهم بحمده وشكروه ، علما منهم أنه ذكرهم فذكروه ، ووفقهم فشكروه ، وألهمهم فوحدوه ، وجذبهم إليه فوجدوه ، فأما من يضيع أوقاته بشهواته ، ويقطع عمره في غفلاته ، ويجعل اجتهاده في تحصيل لذاته ، فكيف يدعي أنه من أهل التوحيد ، أو يزعم أنه من أصحاب التفريد ، فنسأل اللّه العفو من ذلك بمنّه وحوله وقوته ، قال اللّه تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النّحل : 127 ] قوله « اصبر » تكليف وقوله « وما صبرك إلا باللّه » تعريف ، معناه اصبر على أوامر اللّه وأحكامه ولا ترى الصبر إلا من اللّه ، فالعامل للّه من يقصد بأعماله التقريب إلى اللّه ، والعامل باللّه من يرى الأعمال منّة من اللّه . واعلم أن الحقيقة نتيجة الطريقة لا الطريقة نتيجة الشريعة ، كأنك إذا صفيت الشريعة يعني إذا عملت بما هو أقرب إلى الورع والتقوى غير ملاحظ إلى الرخصة تظهر منها الطريقة ، وإذا انفتحت الطريقة يظهر منها أسرار الحقيقة ، وليس المراد بالرخصة هنا ما هو كقصر الصلاة والجمع والفطر وغيرها بل المراد مثل مداراة الناس والإقبال على الأسباب من وجه حلال ، وادخار الأموال بعد إخراج زكاتها ، وإعدادها للنوائب ، فهذا كله مباح في الشرع إلا أنه نزول عند القوم عن درجة الزهد والتوكل . قال بعضهم عن الشريعة والطريقة والحقيقة : إذا أكل الصائم عمدا بطل صومه في الشريعة ، وإذا اغتاب أفطر صومه في الطريقة ، وإذا خطر بباله ما سوى اللّه أبطل صومه في الحقيقة ، فلا يمكن الوقوف على أسرار الحقيقة إلا بإثبات الأعمال المبينة ببيان صاحب الشرع ، لأن كل طريقة تخالف الشريعة هي كفر ، وكل حقيقة لا يشهد لها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة . قال الشيخ نجم الدين : الشريعة كالسفينة ، والطريقة كالبحر ، والحقيقة كالدر ، فمن أراد الدر ركب في السفينة ثم شرع في البحر ثم وصل إلى الدر ، فمن ترك هذا الترتيب لا يصل إلى الدر ، فأول شيء وجب على الطالب فهو الشريعة والمراد منها أوامر اللّه ورسوله من الغسل والوضوء والصلاة والصوم وغير ذلك من الأوامر والنواهي ، والطريقة هي الأخذ بالتقوى ، وما يقربك إلى اللّه زلفى من قطع المنازل والمقامات . وأما الحقيقة فهي الوصول إلى المقصد ومشاهدة نور التجلي ، قيل في الصلاة خدمة وقربة ووصلة ، فالخدمة في الشريعة ، والقربة في الطريقة ، والوصلة في الحقيقة ، والصلاة جامعة لهذه الخصال الثلاث ، كما قيل : الشريعة أن تعبد اللّه ،